الشيخ محمد رشيد رضا
55
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
فالذي يقرب من المعقول في تصويره هو ما بيناه . ولا يرو عنّ القارئ المستقل الفكر هذه الشهرة المنتشرة بانتشار النصارى في أقطار الأرض ، وما لهم فيها من القوة والأيد ، فإنما العبرة في إثبات الوقائع والحوادث كونه في زمن وقوعها ، كما ثبت القرآن المجيد في زمن نزوله حفظا وكتابة ، ألم تر ان هذه الشهرة المنتشرة للمسيح عليه السّلام لم تمنع بعض علماء اوربة الأحرار من الشك في وجوده نفسه ، ولا من ترجيح كون قصته خيالية ، لا حادثة الصلب والقيام منها فحسب . كما أن بعضهم يرى مثل هذا الرأي في بعض آلهة الوثنيين ، وفي ( هوميروس ) شاعر اليونان ، الذي تضرب بشعره الأمثال ، فهو أشهر رجل في تاريخ أمته الذي هو من اشهر تواريخ الأمم الغابرة . ومثله في تاريخ أمتنا العربية قيس العامري الشهير بمجنون ليلى . ذكر في الأغاني روايات عن بني عامر انه غير معروف عندهم . وانه قيل إن الشعر الذي ينسب اليه هو لبعض كبراء بني أمية عزاه إلى مجهول تسترا بعشقه مثل هذا في التاريخ كثير فهو غير مستبعد عقلا ولكننا نحن المسلمين نؤمن بالمسيح لا لذكره في اناجيلهم وكتبهم فكم في الكتب من قصص خيالية مثل قصته ، بل لان القرآن أثبت وجوده ونبوته والقرآن ثابت عندنا قطعا فنؤمن بكل ما اثبته . وان لي كلمة قديمة اذكرها في هذا السياق الذي لم اتوسع فيه الا لرد هجمات دعاة النصرانية الذين اسرفوا في الطعن في الاسلام وهي : إن إثبات القرآن للمسيح هو أقوى حجة على منكري آيات المسيح عليه السّلام وأقوى شبهة على القرآن . فان الشبهات التي يوردها الملاحدة والعقليون من النصارى وأمثالهم على إثباته كون المسيح وأمه آية وان اللّه آتاه آيات أخرى - هي أقوى الشبهات الواردة على القرآن ، ولكن ردها سهل على قاعدة الايمان بقدرة اللّه تعالى وتصرفه في خلقه كما يشاء . ومن آيات كون القرآن من عند اللّه تعالى عدم موافقته للنصارى في رواياتهم في الصلب والتثليث ، واللّه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم الجمع بين الاسلام والنصرانية إن تلك الأقوال المعروفة عند النصارى دفعت بعض الراغبين في التأليف بينهم